تزوير الذمم

لا يخفى على أحد الحدث الذي تمر فيه دولة الكويت بقضية تزوير الشهادات التي تم الآن التحرك الواضح اتجاهها بعد أكثر من سبع سنوات منذ طرحها أول مرة في النيابة. لن أتطرق للحديث عن كيف تمت هذه العملية التي أقل ما نسميها ( نجسة ) لما لها من أضرار مادية، نفسية، واجتماعية، معنوية وجسدية في بعض الحالات.

منذ بداية جلوسي على المقاعد الجامعية كنت متفائلة بمستقبلي في بلدي، كنت أعتقد بعد تخرجي من البكالوريوس والماجستير ستأتي عروض العمل من كل جهة لأن في وقتها كان قلة قليلة من يكمل دراسته. ومع دراستي كنت أقوم جاهدة بالعمل في جهات تطوعاً لأكتسب خبرة عملية تجعلني مؤهلة أكثر للعمل في الجهة التي أرغب فيها، ولم أتوقف عند هذا الحد، فمنذ الصغر كانت والدتي تحرص على دخولي لدورات تزيد من مهاراتي وهواياتي وتجعلني أكثر ثقة بذاتي حتى أستطيع العمل ومساعدة المؤسسة التي سأعمل فيه للتطور والتنمية.

بعد تخرجي من الماجستير صدمت بالواقع الذي يجعل أي شخص عادي يحصل على وظيفة أفضل مني كونه يملك ( واسطة ) تجعله يضرب بكل الشروط التي تتطلبها جهة العمل ليحصل عليها، حين كان يقول لي الآخرين بأننا دولة واسطات لم أصدقهم لأنني مؤمنة أن دراستي وخبرتي ستؤهلني بلا شك.

ولكن بعد ما واجهته في الواقع في احدى المقابلات العملية بوجود ٧ أشخاص من حملة شهادات عالية وخبرة عرفت الواقع، ففي المقابلة كان يسألني أحدهم عن تخصصي بالتسويق فقمت بإصلاح سؤاله وأجبته بطريقة علمية وشرحت له نظرية تسويقية ، لكني تفاجأت بردة فعله، فتساءلت بداخلي: هل هو من أصحاب الشهادات المزورة كونه لا يعرف ألف باء تسويق؟

على الرغم من حصولي على أعلى درجة في التقييم النهائي إلا أنه تم استبعادي من التعيين كوني لا أملك واسطة حسب طلب صاحب الجهة الذي حدد لي تدرج الواسطة التي يرغب بها بالترتيب التالي ( عضو مجلس أمة، وزير، شيخ)، فقلت له : ” واسطتي ربي” فضحك وقال: ” خليه على جنب”.

مازلت لا أنسى ذلك اليوم الذي بكيت فيه بحرقة على جهدي طوال هذه السنين وتحقيق حلم لطالما تمناه لي والدي الشهيد، وكنت أعتذر لوالدتي وأقبل رأسها مراراً على خيبة الأمل، وحاولت مراراً الوصول لما أردت ولم أستطيع، حتى وصلت لمرحلة تيقنت فيها أن الله تعالى لا يرغب لي العمل بمكان يسيء لي ولم أعلم سببه.

تنقلت كثيراً في العمل واعتقدت أنني فاشلة ، حتى قرأت دراسة علمية بإحدى الجامعات تقول بأن الشخص الذي يتنقل كثيراً في العمل يمتلك خبرات أكثر من شخص عمل في جهة واحدة ، وتزداد علاقاته الإجتماعية ويرتفع وعيه، وفعلاً هذا ما وصلت إليه.

وبعد أن انتشر خبر الشهادات المزورة تذكرت كم مرة كتبت وذكرت أن هناك أشخاص مزورين منهم دكتور أسنان في مستشفى حكومي، ومنهم دكتور جامعي، ومنهم محامي وهناك مدرب معتمد أحدهم أخبرني بلسانه أنه لا يحمل شهادة جامعية وأصبح الآن يصنف نفسه مستشار مدربين في تخصص المشاريع الصغيرة ، وآخر يحمل شهادة ثانوية ومدرب معتمد ويتحدث للناس بأنه يقوم الآن بأبحاث علمية تخدم البشرية ولا أعلم ان كان سينشر هذه الأبحاث من جامعة ( بيت أبوه) ، وبعد نشر أسماء بعض الشخصيات كان الشخص الذي قابلني وشككت في شهادته أحدهم، ابتسمت ابتسامة رضا أن الله تعالى لم يجعلني أعمل معه احتراماً لعملي وجهدي.

مشكلتنا في الكويت أن هذه القضية نشرت مسبقاً وتم التكتم عليها وأتمنى أن لا تتدخل الرؤوس الكبيرة لكتمانها مرة أخرى، فهذه القضية أساءت للمهن وهناك من خسر أقاربهم في أخطاء طبية بسبب دكاترة مزورين، وهناك من ظلم بالقانون نتيجة تعامله مع محامي مزور، أما المصيبة الكبرى فهي عقود الزواج التي لا يطلب في المأذون شهادات المتزوجين وتبدأ بكذبة ويتم الكشف فيما بعد أنها غير متوفرة أو مزورة ففيها هدم لأسر وتشتت لعوائل.

لا يعني أن لا تكون حامل شهادة أنك شخص فاشل أو سيء، أنا لا أتعامل مع الأشخاص بناءً على شهاداتهم أو عائلتهم ، فالشهادة مجهود شخصي يفيد الشخص، لكني أتحدث عن من قام بتزوير شهادته و ” صدق نفسه” بأنه خريج حقيقي ومارس المهنة وأخذ راتبها ومناصبها وباع ذمته دون خوف من الله تعالى، فتذكرت كلمة والدتي التي دائماً تقولها لي ( الحرام ما يدوم) وكان تدعو لي دائماً : ( الله يبعد عنج بنات الحرام ووأولاد الحرام والمال الحرام).

ختاماً أوجه رسالتي إلى كل مسؤول وقيادي أن يتخذ الإجراءات القانونية الصارمة بحق كل شخص مزور، وأن يقدمه للعدالة وأن يخاف الله في الكويت.