عظم الله أجرك يا أدب

علمت من صباح اليوم الثلاثاء ٢٥-٩-٢٠١٨ بخبر أفجعني وهو وفاة الأب الروحي للأدب والرواية، الأديب اسماعيل فهد اسماعيل. أخبرني أحد أصدقائي لماذا تأخرتي في التعزية لـبوفهد وهو قريب جداً منك؟ أجبته: وهل فقدان شخص بحجمه يمكنني من جمع الكلمات واستيعاب حجم الصدمة من الوهلة الأولى؟!

والله ان الكلمات ضاعت مني والحروف أبت أن تجتمع لترثيك، فحتى الحروف حزينة على خبر فراقك، وكيف تجتمع وأنت الذي كنت محترف بجمعها وكتابتها وتشكيلها. وماذا عن روايتي التي كنت ستكتب فيها جزءاً من حياتي ، هذه الرواية لم تكتمل ألم أخبرك مسبقاً أن حياتي رواية بلا نهاية؟ وها هي روايتي لم تنتهي وستظل سراً بيني وبينك كما وعدتني.

لا أعلم ان كنت سأعزي نفسي او اسرتك الكريمة او كتبك التي تيتمت بفراقك؟ ، أم أنعنى الأدب كله ؟! فارقتنا قبل أسابيع من معرض الكتاب الدولي القادم وانت الذي لم تخلف يوماً عن حضوره وتشجيع كل كاتب وكل موهوب.

اللهم لا اعتراض على قضائك ، فيارب ارحمه رحمةً واسعة وارزقنا صبراً على فراقه وإنا لله وإنا إليه راجعون.

كتاب / حليب أسود

” ليس في العالم سوى الحب، أما المعرفة، فهي إشاعة فحسب” إليف شفق

تأخرت كثيراً في قراءة مذكرات أليف شفق ( حليب أسود )، رغم أني اشتريها منذ مدة، ولكن بسبب تعليقات الكثير أنها مذكرات سلبية وتتحدث كثيراً عن آلام الأمومة ومعاناة المرأة في المجتمعات أجلت قرائتها، وليتني لم أفعل، فمذكرات ( حليب أسود ) هو أفضل وأول كتاب سأقوم بترشيحه لأي شخص يرغب بالبدء بالقراءة عن إبداعات أليف شفق.

رغم أنها كانت تكتب مذكراتها وقصة زواجها من زوجها ( أيوب ) الرجل الذي أحبته وتزوجته في ألمانيا دون علم أهلها ، لأنها تكره الإحتفالات والعادات في الزواج التركي ( هذه طبيعة شخصية أليف)، ورغم أنها أسست لها عدة شخصيات لها في الرواية سأكتب عنهم لاحقاً، إلى أنها دائماً تستطيع أن تجر ذهني جراً إلى عالمها.

كنت أقرأ المذكرات وأنا في بيروت، ولكن من شدة اندماجي بمذكراتها ووصفها الدائم الساحر لاسطنبول نسيت أنني في لبنان، حين رفعت رأسي لأخذ استراحة قصيرة من احدى الفصول، اعتقدت أنني سأرى البوسفور، ولكني كنت أمام الروشة، والتفت للمباني لعلّي أجد مباني اسطنبول التاريخية التي أعشقها، إلى أنني وجدت مباني لبنان المتهالكة التي كانت شاهدة على آثار الحرب والرعب.

اسمها الأدبي ( أليف شافاق ) كما يكتب بالتركية، أما العربية فاسمها الأول مشتق من الحرف (أ) لأنه الحرف الأكثر استخداماً وانتشاراً ، أما اسمها الثاني (شافاق) كما ينطق بالتركية و (شفق ) بمعنى الفجر في العربية هو اسم والدتها كونها عاشت بدون والدها الحقيقي.

أقل ما يمكن وصف هذه المذكرات بأنها رائعة ووميزة ومن الضروري أن تقرأها كل امرأة وكل رجل ليعرف أيضاً كيف للمرأة أن تكون أماً، وكاتبة . ولا تخلو أي رواية من روايات وكتابات ( أليف) من معلومات هائلة سواء بمجال التاريخ أو الاقتصاد أو السياسة، أما هذه المرة فكان التركيز الأكثر على الروائيات والكاتبات العالميات، فقد قامت بعمل بحث مطول عنهن وعن حياتهن‘ فبعضهم قررن أختيار الكتب أطفال والابتعاد عن الأمومة للنجاح ككاتبات، والبعض اخترن الأمومة على الكتابة، والبعض الآخر حاولن أن ينجحن بالأثنين معاً و ( أليف) احداهن.

اختارت( أليف) عدة شخصيات لها في المذكرات أسمتهن ( فتيات الاصبع) وان اجتمعن معاً فيصبحون ( جوقة أصوات الفوضى) وهي تقصد أنهن أصواتها الداخلية، وهذا حقيقي فنحن نملك شخصيات داخلية لأصواتنا الداخلية التي أحياناً تجعلنا نعيش بعدة تناقضات. والشخصيات الستة هن: الآنسة الساخرة المثقفة، والآنسة التشيخوفية (وهي الشخصية العنيدة والمدمنة على العمل)، الآنسة الدرويشية ( وهي شخصية أليف الصوفية)، الآنسة العملية القصيرة، وماما الرز بالحليب ( وهي الشخصية الأم )، واخيراً الشخصية المشاغبة بلوبيلي بوفاري ( المرأة الأنثوية المتمردة).

في رأيي الشخصي هذه مذكرات رائعة وتساعد كل شخص يرغب بالبدء بقراءة روايات أليف شافاق فليبدأ بهذه المذكرات ومنها ينطلق لقراءة بقية رواياتها ، والجميل أن تتحدث عن الحالات التي تمر بها المرأة وأي شخص ما بين نجاح وفشل، صعود وسقوط، بين عدة تناقضات في الحياة.

كتاب / عن وطن من لحم ودم

أدهم شرقاوي، كاتب فلسطيني الجنسية يعيش في لبنان وله عدة كتابات ونصوص واقتباسات جميلة ، كثيراً ما ينشر بإسم مستعار ( قس بن ساعدة) ، من أهم كتبه، نطفة، عن وطن من لحم ودم، عن شيء اسمه الحب، حديث الصباح وحديث المساء وغيرها الكثير.

كنت معجبة جداً باقتباساته اليومية التي يكتبها في وسائل التواصل الإجتماعي، وله العديد من الكتابات الجميلة التي تلامس القلب وتكون بلسم للجروح بجملة صغيرة لكن أثرها كبير، في كتاب عن شيء اسمه الحب كان يحمل الحب في كل صفحاته، أما في كتاب عن وطن من لحم ودم حاولت أن أقرأ تعليقات متابعينه ومحبيه ، وتفاجأت بأن أغلب القراء لم ينهو قراءة الكتاب وكنت أنا أحدهم، والكثير منهم قال بأن محتواه فارغ عكس كتبه الأخرى وأنا كذلك . كتابه هذا كان من الأفضل أن يبقيها كاقتباسات في وسائل التواصل الاجتماعي على أن يجمعها في كتاب، فهي لم تضيف شيئاً للقارئ خاصة قراءه الذين أعتادو على كتبه القيمة ذات المعاني الراقية والقيم العالية.

تزوير الذمم

لا يخفى على أحد الحدث الذي تمر فيه دولة الكويت بقضية تزوير الشهادات التي تم الآن التحرك الواضح اتجاهها بعد أكثر من سبع سنوات منذ طرحها أول مرة في النيابة. لن أتطرق للحديث عن كيف تمت هذه العملية التي أقل ما نسميها ( نجسة ) لما لها من أضرار مادية، نفسية، واجتماعية، معنوية وجسدية في بعض الحالات.

منذ بداية جلوسي على المقاعد الجامعية كنت متفائلة بمستقبلي في بلدي، كنت أعتقد بعد تخرجي من البكالوريوس والماجستير ستأتي عروض العمل من كل جهة لأن في وقتها كان قلة قليلة من يكمل دراسته. ومع دراستي كنت أقوم جاهدة بالعمل في جهات تطوعاً لأكتسب خبرة عملية تجعلني مؤهلة أكثر للعمل في الجهة التي أرغب فيها، ولم أتوقف عند هذا الحد، فمنذ الصغر كانت والدتي تحرص على دخولي لدورات تزيد من مهاراتي وهواياتي وتجعلني أكثر ثقة بذاتي حتى أستطيع العمل ومساعدة المؤسسة التي سأعمل فيه للتطور والتنمية.

بعد تخرجي من الماجستير صدمت بالواقع الذي يجعل أي شخص عادي يحصل على وظيفة أفضل مني كونه يملك ( واسطة ) تجعله يضرب بكل الشروط التي تتطلبها جهة العمل ليحصل عليها، حين كان يقول لي الآخرين بأننا دولة واسطات لم أصدقهم لأنني مؤمنة أن دراستي وخبرتي ستؤهلني بلا شك.

ولكن بعد ما واجهته في الواقع في احدى المقابلات العملية بوجود ٧ أشخاص من حملة شهادات عالية وخبرة عرفت الواقع، ففي المقابلة كان يسألني أحدهم عن تخصصي بالتسويق فقمت بإصلاح سؤاله وأجبته بطريقة علمية وشرحت له نظرية تسويقية ، لكني تفاجأت بردة فعله، فتساءلت بداخلي: هل هو من أصحاب الشهادات المزورة كونه لا يعرف ألف باء تسويق؟

على الرغم من حصولي على أعلى درجة في التقييم النهائي إلا أنه تم استبعادي من التعيين كوني لا أملك واسطة حسب طلب صاحب الجهة الذي حدد لي تدرج الواسطة التي يرغب بها بالترتيب التالي ( عضو مجلس أمة، وزير، شيخ)، فقلت له : ” واسطتي ربي” فضحك وقال: ” خليه على جنب”.

مازلت لا أنسى ذلك اليوم الذي بكيت فيه بحرقة على جهدي طوال هذه السنين وتحقيق حلم لطالما تمناه لي والدي الشهيد، وكنت أعتذر لوالدتي وأقبل رأسها مراراً على خيبة الأمل، وحاولت مراراً الوصول لما أردت ولم أستطيع، حتى وصلت لمرحلة تيقنت فيها أن الله تعالى لا يرغب لي العمل بمكان يسيء لي ولم أعلم سببه.

تنقلت كثيراً في العمل واعتقدت أنني فاشلة ، حتى قرأت دراسة علمية بإحدى الجامعات تقول بأن الشخص الذي يتنقل كثيراً في العمل يمتلك خبرات أكثر من شخص عمل في جهة واحدة ، وتزداد علاقاته الإجتماعية ويرتفع وعيه، وفعلاً هذا ما وصلت إليه.

وبعد أن انتشر خبر الشهادات المزورة تذكرت كم مرة كتبت وذكرت أن هناك أشخاص مزورين منهم دكتور أسنان في مستشفى حكومي، ومنهم دكتور جامعي، ومنهم محامي وهناك مدرب معتمد أحدهم أخبرني بلسانه أنه لا يحمل شهادة جامعية وأصبح الآن يصنف نفسه مستشار مدربين في تخصص المشاريع الصغيرة ، وآخر يحمل شهادة ثانوية ومدرب معتمد ويتحدث للناس بأنه يقوم الآن بأبحاث علمية تخدم البشرية ولا أعلم ان كان سينشر هذه الأبحاث من جامعة ( بيت أبوه) ، وبعد نشر أسماء بعض الشخصيات كان الشخص الذي قابلني وشككت في شهادته أحدهم، ابتسمت ابتسامة رضا أن الله تعالى لم يجعلني أعمل معه احتراماً لعملي وجهدي.

مشكلتنا في الكويت أن هذه القضية نشرت مسبقاً وتم التكتم عليها وأتمنى أن لا تتدخل الرؤوس الكبيرة لكتمانها مرة أخرى، فهذه القضية أساءت للمهن وهناك من خسر أقاربهم في أخطاء طبية بسبب دكاترة مزورين، وهناك من ظلم بالقانون نتيجة تعامله مع محامي مزور، أما المصيبة الكبرى فهي عقود الزواج التي لا يطلب في المأذون شهادات المتزوجين وتبدأ بكذبة ويتم الكشف فيما بعد أنها غير متوفرة أو مزورة ففيها هدم لأسر وتشتت لعوائل.

لا يعني أن لا تكون حامل شهادة أنك شخص فاشل أو سيء، أنا لا أتعامل مع الأشخاص بناءً على شهاداتهم أو عائلتهم ، فالشهادة مجهود شخصي يفيد الشخص، لكني أتحدث عن من قام بتزوير شهادته و ” صدق نفسه” بأنه خريج حقيقي ومارس المهنة وأخذ راتبها ومناصبها وباع ذمته دون خوف من الله تعالى، فتذكرت كلمة والدتي التي دائماً تقولها لي ( الحرام ما يدوم) وكان تدعو لي دائماً : ( الله يبعد عنج بنات الحرام ووأولاد الحرام والمال الحرام).

ختاماً أوجه رسالتي إلى كل مسؤول وقيادي أن يتخذ الإجراءات القانونية الصارمة بحق كل شخص مزور، وأن يقدمه للعدالة وأن يخاف الله في الكويت.

الفضول مفيد للنهوض

( لا تتوقف عن طرح الأسئلة والبحث عن الإجابات)

تعتبر هذه المقولة احدى أشهر مقولات العالم آينشتاين، الذي لا يكف عن طرح الأسئلة والبحث عن إجابات فعلية حقيقية لمعرفتها وكل ما يبحث عنه كان بدافع الفضول وهذا فضول إيجابي وليس سلبي.

فكان الفضول هو السبب ذاته للعالم الإداري جيم كولينز وفريق عمله لعمل بحث حقيقي استغرق الخمس سنوات بما يعادل 15 ألف ساعة عمل لمعرفة أسباب نجاح الشركات من الناحية الادارية.

وللبحث مراحل مهمة استخدمها فريق العمل ولكن بطرق مختلفة وغير تقليدية وانقسمت لأربع مراحل أساسية::

المرحلة الأولى: البحث

في الوطن العربي عملية البحث ينقصها الكثير قبل اصدار أي قرار أو تصرف إداري حتى أنني أعلم أن البعض يقوم باصدار قرارات من منطلق (احساسه) وليس نظير بحث علمي حقيقي أو حتى استبيان واقعي يصف حالة البحث المراد اتخاذ قرار بشأنها.

أما في الدول المتقدمة فان عملية البحث تعتبر شرط أساسي قبل اتخاذ أي قرار وأمر أساسي لمعرفة الوضع الحالي للموضوع المراد اتخاذ قرار بشأنه ودراسته.

ففي البحث من المهم مراعاة معرفة الشركات التي سيتم عمل الدراسة والبحث عنها بشكل متساوي ودراسة السوق بفترات مختلفة لفهم الحالة لكل شركة.

وتقوم الشركات إما بالتعاون مع شركات بحث متخصصة أو الاعتماد على قسم التسويق كونه القسم المعني بالبحث بوضع أساسيات البحث والأسئلة المراد معرفة الإجابة عنها لبدء عملية البحث.

المرحلة الثانية: المقارنة

من المهم قبل اتخاذ القرارات أن يتم وضع أساسيات للمقارنة بين الشركات أو أي موضوع يتم اتخاذ قرار بشأنه، كالفئة العمرية، الحالة السوقية للأسهم، الموقع الجغرافي، التحديات، الأمور المالية، أو أي حالة يتم من خلالها دراستها للمساعدة باتخاذ أي قرار، فلا يمكن لشركة مثل (ستاربكس) تحمل الهوية الأمريكية أن تفتتح فرعها في اليابان بنفس المعايير ، كون اليابان شعب يعتز كثيراً بمنتجاته الوطنية ويميلون لشرب الشاي أكثر من القهوة، لذلك من المهم دراسة طريقة حياة الشعب والتكييف مع متطلباته قبل التفكير بافتتاح الفرع فيه.

المرحلة الثالثة: داخل الصندوق الأسود

أن تعرف أسرار شركة ناجحة أشبه ما يكون بالأمر المستحيل، ولكن يمكن من خلال القراءات للمقالات المنشورة بما يخص تلك الشركة ومتابعة مقابلات المدراء التنفيذيين فيها والتحليلات المالية لسوق الأسهم والترميز البحثي يساعد على أخذ فكرة شاملة عن الوضع العام للشركة وحالتها.

يعتقد الكثير من الإداريين أن وجود مدير تنفيذي مشهور أو ذو شخصية معينة سبب لنجاح الشركات وتحولها من شركات جيدة الى عظيمة، وهو ما ينفيه جيم كولينز وفريق عمله في بحثه لأكثر من 50 شركة .

ومن المهم أن تقوم الشركة بالتركيز على ما يمكنها التمييز فيه والابتعاد عما يسبب هدراً للوقت والمال للشركة فبذلك تتحول الشركات لشركات عظيمة وتنتشر انتشار واسع.

المرحلة الرابعة والأخيرة: من الفوضى إلى المفهوم

من المتعارف عليه في أي شركة تتأسس أو ترغب بتطوير نفسها أن تبدأ أولاً بوضع رؤية ورسالة لها للعمل عليها وفق خطة محددة، لكن البحث أثبت عكس ذلك تماماً، فأول ما تقوم به الشركات الناجحة أن تضع ( الشخص المناسب في المكان المناسب) ثم يفكرون بوضع الخطة القادمة التي سيتم السير عليها.

وهذا ما تفقده الكثير من الشركات خصوصاً في الدول العربية والجهات الحكومية، فوجود شخص ذو خبرة سنوات بدون إنتاج فعلي لن يكون هو الشخص المناسب لقيادة مجموعة من الموظفين لتطوير الشركة .

وبسبب هذه الخطوة تم استحداث فكرة تسمى بـ إشكالية ستوكدايل ( Stockdale Paradox) والقائلة بأن على الشركات المحافظة على إيمانها وثقتها بأنها تستطيع أن تحقق النجاح رغم الصعوبات التي ستواجهها والمحافظة في الوقت نفسه على ضبط النفس اللازم لمواجهة أكثر الحقائق إيلاماً في الواقع مهما كانت تلك الحقائق.

وجود قواعد بحث رئيسية واضحة والسير وفق خطة مع فريق عمل متكافئ ومتخصص كل شخص حسب مجاله ومهاراته يساعد على نقل أي إدارة أو شركة أو مشروع من عادي الى ممتاز فقط ان توافرت العناصر الأساسية .

مقالة / شهر العبادة

“شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ” صدق الله العظيم

أيام قليلة تفصلنا عن شهر رمضان المبارك، أعاده الله تعالى علينا وعلى الجميع بالخير والبركة. هذا الشهرالذي ينتظره العالم أجمع وليس فقط المسلمين، لما له من أثر كبير في تطهير النفس والروح والجسد.

شهر واحد فقط، ٣٠ يوم، ٧٢٠ ساعة هو كل ما نحتاجه لنطهر ذواتنا ونتقرب فيها إلى الله جلّ في علاه، كم هو كريم حين يمنحنا شهراً يبدل حالنا لأحسنه.

رمضان هو شهر الصلاة والصيام، أفضل شهور السنة الهجرية، فيه أنزل القرآن الكريم على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، فيه تتصفد الشياطين وفيه الكثير من البركة من رب العالمين.

لكن في السنوات الأخيرة تحول شهر رمضان المبارك من شهر العبادات إلى شهر (الغبقات)، ومن شهر الصوم إلى شهر النوم، ومن شهر الطاعات إلى شهر المسلسلات.

ما أن يبدأ الشهر الكريم إلا وتبدأ الزيارات في طريقة شبه يومية تجعل الشخص يتنقل طوال فترة الفطور يقوم بكل الواجبات التي قد تعطله كثيراً عن الصلاة، وتبدأ كمية هائلة من المسلسلات العربية تتزاحم على القنوات التلفزيونية حتى يلتهي الشخص عن العبادات ، غير الذين يحولون نهار رمضان للنوم الكامل ويفقدون الكثير من لذته وجماله، أما الأسوأ بالنسبة لي ما بتنا نشاهده من حفلات للغبقات في شهر مبارك لم يراعي الكثير منهم حرمة هذا الشهر ويبدأ عرض أزياء ( الدراعات) حتى تشك أنك في مسابقة لعرض الأزياء، أو برنامج لاختيار ملكة جمال الغبقات، ولن يخفى عليكم كمية البذخ والتبذير.

كل ما سبق يمكنه أن يتم في أيام السنة ، أما رمضان فهو فرصة كبيرة لأن يقوم الشخص بالإختلاء بربه أكثر والتقرب منه واستغلال هذا الشهر بكل ساعاته ودقائقه فلا نعلم أن عمل يكون سبب دخول باب من أبواب الجنة، فاستغله لتفوز بما تهوى في النهاية.

قصة قصيرة / انكسر ظهري

أجلس في مكتبي. في يوم هادئ جداً من صباح يوم السبت، الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً، أنتظر موعد الجلسة الاستشارية القادمة لعميلة اعتدت رؤيتها منذ أشهر.

أعددت لي فنجان قهوتي التركية، بفنجان أبيض فيه صورة رمزية على شكل درويش، اشتريته من اسطنبول في سفرتي الأخيرة.

فتدخل علي صاحبة الموعد، هي إمرأة ثلاثينية جميلة، ناصعة البياض كبياض الثلج، عيونها زرقاء كحورية البحر من أفلام ديزني لاند الشهيرة

اعتدت أن أراها مبتسمة فابتسامتها جميلة ومشرقة دائماً ، لكني رأيتها واقفة عند باب المكتب ولم تدخل وملتزمة الصمت

وقفت لها لأسلم عليها كما اعتدت ، اقتربت منها وهي ماتزال واقفة عند الباب، أمعنت النظر في وجهها، فرأيت دموع محبوسة تنتظر اللحظة المناسبة لتسل كنهر جاري من عينيها

سألتها : ما بكِ؟

أجابت : انكسر ظهري. وانهارت باكية

احتضنتها، ادخلتها للمكتب، اجلستها على الكرسي الأبيض ، حاولت تهدئتها ، سألتها مرة أخرى: أخبريني ماذا حصل؟ هل هو حادث قوي؟ أم هذه آلام الديسك مرة أخرى ، أعلم أنها تعاني من هذه الآلام منذ مدة

فتجيب بصعوبة: والدي

سألت بسرعة: ما به ؟ هل ضربك حد انكسار ظهرك؟

حاولت أن تجيب وأرى ارتجاف شفتيها ، قالت : بل غادرني حد الانكسار

صمت لا أعرف ماذا أقول، فأنا فاشلة في الطبطبة على شخص فقد شخص يحبه بكثرة خصوصاً إن كان هذا الشخص سنده وظهره في الحياة

سرحت حينها، تذكر ( عمي بوراشد) صديق والدي الذين كان عوني وسندي في الحياة بعد أن فقدت والدي في عمر صغير

تذكرتها حين قالت : انكسر ظهري !

نعم أشعر بمعنى هذه الكلمة، أشعر بوجع الإنكسار في آخر الظهر، أعرف كم هو مؤلم فراق الأب على الابنة، فهو أول رجل، وأول في حياة ابنته، وهو الوطن وهو الأمن والأمان، وضعت يدي على فمي ولامست دموعي التي انهمرت ولم تتوقف

رغم رحيله منذ أكثر من عشر سنوات إلى أنني مازلت أبكيه وأفقده حتى ” انكسر ظهري”